محمد عزة دروزة

306

التفسير الحديث

التعبير قد أصبح مثلا من الأمثلة القرآنية يتمثل به في كثير من المناسبات لما انطوى فيه من حكمة وصواب وحق . ولقد أورد ابن كثير في سياق هذه الآية حديثا ورد في مسند الإمام عبد بن حميد عن أنس : « أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم دخل على رجل وهو في الموت فقال له : كيف تجدك ؟ فقال : أرجو وأخاف . فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلَّا أعطاه اللَّه عزّ وجلّ الذي يرجو وأمّنه الذي يخافه » . وقد ذكر ابن كثير أن الترمذي والنسائي وابن ماجة قد رووا هذا الحديث أيضا وينطوي في الحديث تطبيق نبوي للتلقين القرآني في المناسبات على سبيل الوعظ والتنبيه . قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِه الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأَرْضُ اللَّه واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ‹ 10 › قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّه مُخْلِصاً لَه الدِّينَ ‹ 11 › وأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ‹ 12 › قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ‹ 13 › قُلِ اللَّه أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَه دِينِي ‹ 14 › فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِه قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ‹ 15 › . في الآيات أوامر ربانية للنبي عليه السلام وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى بيان آخر . وهي كما يتبادر لنا غير منفصلة عن السياق السابق وقد احتوت تقريرات حاسمة كأنها تقريرات ختامية للموقف الذي ظل فيه الكفار مصرين معاندين وتعقيبا عليه . وقد هتف فيها بالمؤمنين بما هتف تثبيتا لقلوبهم وتطمينا لروعهم وحثا لهم على الصبر والتمسك بأهداب التقوى والإيمان والعمل الصالح . وتبشيرا لهم بالعاقبة الحسنى في الدنيا والآخرة . واحتوت الآية الأخيرة تنديدا وإنذارا وتعنيفا لاذعا للمشركين متناسبا مع الموقف وباثا في الوقت نفسه الوثوق والاستعلاء في النبي صلى اللَّه عليه وسلم وأتباعه . فليعبدوا ما شاؤوا من دون اللَّه فهم الخاسرون يوم القيامة ومن يكن خاسرا يوم القيامة فهو الخاسر لكل شيء .